• الثلاثاء 28 ربيع الثاني 1439هـ
  • الثلاثاء 16 يناير 2018
  • الثلاثاء 10:35 مساءاً
  • بغداد °-18

  • نينوي °-18

  • أربيل °-18

  • البصرة °-18

  • واسط °-18

  • النجف °-18

  • دهوك °-18

  • كربلاء °-18

طلعت رميح

توطين النفوذ الاستعماري الإيراني

10:35 م الثلاثاء 16 كانون الثاني 2018

  • حجم الخط

المصدر: الموقع الرسمي لهيئة علماء المسلمين


لن تجري الانتخابات القادمة في العراق على أرضية التغيير السياسي إلى الأفضل تحقيقا لمصالح الشعب العراقي، فالعملية السياسية لم تتشكل منذ مطلع حقبة الاحتلال وحتى الآن لتحقيق الحرية والتعددية أو لتمكين الشعب العراقي من اختيار حكامه بإرادته، بل لبناء سلطة سياسية تحقق أهداف الاحتلال على حساب مصالح الشعب العراقي.

وإذ جرت الانتخابات من قبل ولم يتغير شيء في حياة العراقيين، بل انحدرت الأمور من السيء إلى الأسوأ، فالانتخابات القادمة يبدو الأخطر فيها هو سعى إيران لتوطين احتلالها في العراق، وتحويل عملائها الأشد إجرامية إلى قادة سياسيين يحظون، بغلالة من شرعية انتخابية، وهذا هو المختلف عن الانتخابات السابقة.

لقد تشكلت السلطة السياسية للاحتلال عقب احتلال القوات الأمريكية لبغداد، بهدف مخادعة الرأي العام العراقي، وللتغطية على حالة الحكم العسكري للاحتلال، كما استهدفت العملية السياسية تعميق حالة الصراع داخل المجتمع العراقي.

 وإذ يجري الآن دفع الميلشيات الإيرانية  للدخول في لعبة الانتخابات وتحقيق الفوز فيها وتشكيل السلطتين التشريعية والتنفيذية من بين عناصرها، فتلك أخطر مراحل الاحتلال الإيراني، الذي يحذو حذو الاحتلال الأمريكي الذي استخدم اللعبة السياسية -عبر انتخابات شكلية- ليبدو العملاء ممثلون للشعب العراقي، فيما القوى الوطنية تلاحق بالحديد والنار.

غير أن تجارب الاحتلال لا تستخدم تلك الأداة الشكلية السياسية وحدها لتوطين استعمارها للدول، إذ تستخدم ألاعيب التفاوض في كثير من المراحل لتحقيق نفس الهدف أيضا، ففي الحالة السورية نجد استخداما واسعا لألاعيب التفاوض لتحقيق هذا الهدف، فعبر لعبة التفاوض تحاول روسيا وإيران الحصول على المشروعية لاتباعهما وعملائها وتحويل ما تحقق بالسلاح إلى وقائع سياسية مستديمة.

وكما تحولت الولايات المتحدة من قاتل ومدمر ومخرب للعراق، إلى راعي لعملية سياسية عبر إشرافها على بناء السلطة السياسية في العراق بعد الاحتلال، تقوم كل من روسيا وايران "بتغيير النشاط" والظهور بمظهر الحريص على الحل السياسي عبر التفاوض بين قوى المعارضة والنظام، لمنح الوجود والسيطرة العسكرية والاحتلال الذي تحقق لهما في سورية بالقتل، إلى حالة مؤسسية سياسية تحكم سوريا وفق نمط من مشروعية التوافق.

وكل هذا الجهد الروسي والإيراني المتنقل من قاعدة حميم إلى أستانا إلى سوتشي –ويعلم الله ماذا بعد - هدفه تمكين العملاء من استعادة السيطرة، وتوطين العملاء والمرتزقة الجدد في الحكم القائم وفي المجتمع، واصباغ مشروعية زائفة على وجود القواعد العسكرية وتصوير وجودها كأمر مشروع ومتوافق عليه من الجميع، وهنا يبدو المحتل الإيراني مهتما بالدرجة الأولى بتوطين الميلشيات والمرتزقة الذين أذاقوا الشعب السوري مرارات القتل والتشريد ونقل السكان وترحيلهم والسيطرة على مساكنهم وقراهم ومدنهم، وإعطاء هذا التوطين مشروعية شعبية وإقليمية ودولية.

والأمر كذلك في اليمن، إذ استهدفت الخطة الإيرانية، هناك استخدام المفاوضات جسرا لتوطين نفوذها عبر الحوثيين وتحويلهم - في الحد الأدنى - إلى كانتون طائفي مستقل عن الدولة، يحظى بمشروعية امتلاك السلاح وبناء منظومة خاصة للعلاقات السياسية بالخارج، لتكون منطقتهم نقطة "محررة" تحت السيطرة الإيرانية المباشرة، ولذلك رفض الحوثيون في كل مفاوضات حل الأزمة اليمنية أي نمط توافقي للحل على أساس البناء الوطني المتكامل – الحكم الاتحادي - وأصروا على القتال لتحقيق وضعية خاصة لهم في داخل اليمن.

وهكذا فالأمر الأخطر دوما من القتال والاحتلال، ليس فقط الدمار والقتل، وكذلك ليس تشكيل سلطة سياسية للاحتلال لحكم البلد المحتل، بل الأخطر هو توطين الاحتلال، وتحويله من الحالة العسكرية إلى الحالة السياسية أولا، ثم توطين عملاء الاحتلال ليصبحوا مقبولين وأصحاب مشروعية في حكم المواطنين بل أن يصبحوا القادة للبلاد برضى وتوافق أبناء الشعب المحتل!.

وهنا يأتي الملمح الرئيسي فيما يجري بشأن الانتخابات العراقية، من موافقة لجنة الانتخابات أو انغماسها في تحقيق المخطط الإيراني، وتمكين تلك العناصر الأشد وحشية ليس فقط من السيطرة على العملية السياسية وعسكرتها، بل كذلك – وهذا هو الأخطر - توطين تلك العناصر وجعلها في وضع طبيعي داخل أجهزة الدولة ليصبح الاحتلال جزءا من نسيج العملية السياسية والسلطة التنفيذية الحاكمة في البلاد.

فإذا أضفنا إلى ذلك أن سيطرة هؤلاء العسكريين المتوحشين على السلطة السياسية يأتي مقرونا بأعمال التهجير الطائفي واستبدال السكان السنة – العرب والأكراد في المرحلة الأخيرة - يصبح معنى توطين الاحتلال الإيراني شديد الخطر على المجتمع لا السلطة السياسية فحسب.

أنت ترى