• الاثنين 12 ربيع الأول 1440هـ
  • الإثنين 19 نوفمبر 2018
  • الإثنين 02:24 مساءاً
  • بغداد °21

  • نينوي °19

  • أربيل °19

  • البصرة °21

  • واسط °22

  • النجف °22

  • دهوك °19

  • كربلاء °23

طلعت رميح

الخلطة العجيبة

02:24 م الإثنين 19 تشرين الثاني 2018

  • حجم الخط

المصدر : الموقع الرسمي لهيئة علماء المسلمين

ثمة ظاهرة كانت الأبرز في ختام مشوار إعادة تعيين شخوص ومواقع وتوازنات العملية السياسية ما بعد الانتخابات الأخيرة في العراق، لقد أعلن وذاع وشاع ونشر الكثير عن شغل أشخاص للمناصب الوزارية لقاء المال، وعن وقوع نفس الأمر في مختلف مواقع العملية السياسية، تنفيذية كانت أو تشريعية من أدنى المستويات إلى أعلاها، وهو ما طرح أفكارًا أخرى في رؤية وتقييم ومعرفة أبعاد تشكيل تلك العملية ومدى تأثيرها المدمر على العراق.

لقد بدى أن تصميم وتشكيل العملية السياسية، فور وقوع الاحتلال، حالة من حالات صناعة تغيير للوضع السياسي السابق في العراق أو لملء الفراغ الحادث بعد حل كافة المؤسسات، وأنها صممت  لضمان عدم بناء نظام سياسي بعد الاحتلال، ليسهل استمرار إمساك سلطة الاحتلال بأوراق الحراك المجتمعي، كما نظر لها في تلك الفترة كعملية محاصصة تقوم على تمايز وتقاسم النفوذ والسيطرة بين النخب المتعاونة مع المحتلين الإيراني والأمريكي، وفي ذلك ظهرت العملية كآلية لتنظيم وإدارة مصالح المحتلين وكضمانة لعدم خروج الصراع بينهما عن مستهدف بناء وبقاء سلطة الاحتلال.

وكذلك نظر للعملية السياسية، باعتبارها محاصصة بين النخب المتعاونة مع المحتلين على أساس التمثيل الطائفي، لصناعة حالة صراع واحتراب وتفكيك داخل المجتمع العراقي، لمحاولة تعويق ومنع وقطع الطريق على تبلور حركة وطنية عراقية شاملة في مواجهة الاحتلال.

غير أن جانبًا أساسيًا برز أخيرًا وصار فظًا في وضوحه، إذ انكشف غطاء الصراعات والشعارات السياسية بين مجموعات العملية السياسية، عن عمليات واسعه لبيع المناصب والمواقع وتعيين المسؤوليين في مختلف مواقع العملية السياسية وليس تقاسمها فقط، وهو أظهر بعدًا آخر، وكشف عن استهداف تتشكل دورة فساد متكاملة الأبعاد تضرب عميقًا وتنتقل من النخب إلى داخل المجتمع.

لقد جرى تناول تلك الحالة بتفاصيلها المخجلة، مع تسمية الأشخاص والمواقع في أجهزة الإعلام بمختلف توجهاتها وارتباطاتها، وكان التناول واسعًا وموثقًا _ دون رد أو رفض من المعنيين بتلك الاتهامات _ حتى صارت أجهزة الإعلام شاهدًا يلح على دوره في تسجيل الوقائع وتوثيقها، فيما بدا المعنيون بالاتهام في وضع الصامت والموافق على ترويج الاتهام، بهدف إشاعة الفساد وتعميمه ونقل عدواه.

 ومن يتابع الإعلام في داخل العراق أو خارجه، يجد أن كل ما كان يجرى من خلافات وتكتلات وصراعات تحت عناوين وشعارات سياسية، كان ينتهى بالحسم على أيدى سماسرة بيع المناصب والشخصيات السياسية المهيمنة على إدارة عمليات التوزير في بورصات شغل المواقع.

وهكذا تشكلت أمامنا خلطة عجيبة غريبة للعملية السياسية، يصعب على العقل السوي تصورها أو معرفة مداخلها وثناياها الداخلية وتوقع مخرجاتها، وهو ما دفع الكثيرين لوصف ما جرى ويجرى بعد الانتخابات باعتبارها حالة من حالات الصراعات بين التشكيلات المافيوية التي تسعد بذيوع صيتها في الإجرام، وبتمتعها بالقدرة على إنفاذ ما تستهدف دون إدانة.

لقد ظهرت العملية السياسية بعد شغل المواقع كحالة من حالات تقاسم أموال الشعب بين الأحزاب والنخب، إذ شغل المواقع لا يرتبط فقط بدفع المال، بل بتحول شاغل هذا المنصب أو ذاك إلى بوابة تهريب ميزانية الشعب إلى شركات وميزانيات وجيوب الأحزاب التي رشحته ودعمته ودفعت له وأوصلته إلى الموقع التنفيذي، وفي ذلك بات تقدير أهمية المنصب وما يدفع لشغله مرتبطًا بالميزانيات المخصصة للوزارات، والتي يمكن لهذا المسؤول أن يتصرف فيها، ولذا أطلقت تعبيرات البورصة والمزاد.

والأخطر أن الأمر وإن بدى متعلقًا بفساد المشاركين في عمليات التوزير مقابل المال، فجوهر ما يجري أننا أمام حالة بيع للقرار الوطني من أدناه إلى أعلاه، إذ يتداخل الفساد مع الولاء للمحتلين، وأننا أمام شبكة متكاملة من أدوات تعميق حالة البؤس والفقر وانهيار الخدمات وفوضى الأوضاع الاجتماعية ومنع حدوث التنمية، وأن إنهاء تلك العملية السياسية لم يعد لأسباب تمثيلها ودفاعها عن الاحتلال، بل باعتبارها أداة الانهيار المجتمعي وذيوع الفساد وحمايته وإبقاء العراق بلا تنمية.

وهكذا وبعد اكتمال وضوح وانفضاح صورة العملية السياسية، لم يعد المطلوب إعمال المقارنة الشاملة بين ما حال العراق الآن وما روجته الولايات المتحدة قبل الغزو _ من أن الاحتلال جاء للعراق لتشكيل بلد ديموقراطي يمثل أنموذجًا مشرقًا في الشرق الأوسط _ بل صار الفعل والدور الأهم هو كيف تجرى حالة وطنية عامة شامله لإنهاء تلك العملية السياسية التى أصبح استمرارها خطرًا شاملاً.

أنت ترى