• الأحد 07 صفر 1441هـ
  • الأحد 06 اكتوبر 2019
  • الأحد 06:36 مساءاً
  • بغداد °32

  • نينوي °28

  • أربيل °28

  • البصرة °35

  • واسط °33

  • النجف °33

  • دهوك °26

  • كربلاء °33

د.أيمن العاني

لم تكتفِ الحكومة بالتستر على جرائم الاختفاء القسري في العراق

06:31 م الأحد 06 تشرين الأول 2019

  • حجم الخط

المصدر : الموقع الرسمي لهيئة علماء المسلمين

بعد أكثر من عقد ونصف العقد من النفي والإنكار الممنهجَيْن لحكومات الاحتلال المتعاقبة في العراق لحالات الاختفاء القسري، وضمن محاولاتها المتكررة للتملُّص من المسؤولية والتحايل على القانون؛ أصدر مجلس القضاء الحكومي هذا العام بيانًا أعلن فيه عن عقد اجتماع وصف بـ"رفيع المستوى" لبحث قضية المفقودين والمغيبين في البلاد، متجنبًا استخدام مصطلح (المختفين قسرًا) التوصيف القانوني لطبيعة القضايا المستهدفة. وتم على إثر الاجتماع المذكور السماح لمحاكم التحقيق بتلقي شكاوى المواطنين المتعلقة بحالات المفقودين وليس المختفين قسرًا، وحصر قبول النظر في القضايا تحت مفهوم "فقدان شخص" الموصوف بمواد القانون المدني العراقي، وهي بذلك لم تكتفِ بموقف المتستر على جرائم الاختفاء القسري بل خلطت الأوراق وتلاعبت بالمفاهيم القانونية لحرف مسار القضايا العالقة من حالات اختفاء قسري تقع ضمن اختصاص المحكمة الجنائية وتكون الحكومة طرفًا فيها، إلى حوادث فقدان أشخاص تقع ضمن اختصاص محاكم الأحوال الشخصية وتُقيّد غالبًا بنهاية المطاف ضد "مجهول". وهذه الخطوة محاولة متعمدة أخرى من مجلس القضاء الحكومي -ضمن سلسلة المحاولات السابقة- للتغطية على الجرائم المرتكبة من قبل الحكومة بحق أبناء الشعب العراقي، التي تعدّ جرائم صارخة ضد الإنسانية وجرائم حرب بمشاركة المجتمع الدولي أو صمته، ولاسيّما مع الاستخدام الواسع لأماكن الاحتجاز السرية من قبل القوات الحكومية والميليشيات في العراق وانتشار التغييب القسري للمدنيين على أيدي تلك الجهات.

وفي قراءة –سريعة- للكم الهائل من حالات الاختفاء القسري التي تم الإبلاغ عنها، ولاسيّما تلك التي وقعت خلال السنوات الخمس الماضية، ورصد لطبيعة تنفيذ القانون في المحاكم المختصة؛ نجد الكثير القرائن والأدلة التي تثبت تهرب السلطات القضائية الحكومية من المسؤولية أو عجزها عن النظر في مثل هذه القضايا؛ نذكر منها: قيام القضاة المعنيين بإغلاق القضايا "ضد مجهول" على الرغم من تحديد المخبر أو المدّعي –ذوو الضحايا- هوية المرتكبين صراحة في الإخبار المقدّم إلى هذه المحكمة أو تلك، حيث إنه –كالعادة- تخلى القاضي عن الحياد المهني وتجاهل إفادة المشتكي وقام بتغيير الجهة المدّعى عليها إلى مجهول، في دليل واضح –ضمن الأدلة الأخرى- يثبت عدم إمكانية القضاء المحلي في العراق بالنظر في هذه الدعاوى، ويمكن على أساسه نقل موضوع الدعوى ومثيلاتها إلى مفوضية حقوق الإنسان والجهات ذات الصلة في الأمم المتحدة، ولاسيّما مع اعتراف المجتمع الدولي بانعدام استقلالية منظومة القضاء في العراق؛ الأمر الذي يتيح تدويل قضايا الاختفاء القسري ووضع حكومات الاحتلال في عزلة دولية، تمهيدًا للوصول إلى محاسبة الجناة وعدم إفلاتهم من العقاب وبالتالي إنصاف الضحايا قانونيًا.

إن التستر الحكومي على ارتكاب الانتهاكات في العراق، والعجز الرسمي عن مقاضاة مرتكبي الجرائم بحق الإنسان العراقي الأعزل، يعدّ سببًا رئيسًا آخر لنسف ما تبقى من مظاهر سيادة الدولة في العراق، بعد أن تغيّر مفهوم السيادة الوطنية دوليًا لتصبح مرهونة بمدى تحمّل الحكومات مسؤولية احترام حقوق مواطنيها وحماية أرواحهم، إذ لم يعد مسموحاً لأية سلطة أن تنتهك حقوق الناس وتتعامل مع الأمر بصفته قضية داخلية صرفة، في إشارة لمسار جديد في طبيعة العلاقات الدولية ولدور أممي متنامٍ لحماية المواطنين من بطش حكامهم، يتجلى في ظهور واضح لسيادة القانون الدولي على السيادة الوطنية؛ فضلًا عن كون التستر والعجز الحكوميان دافعَين لأهالي الضحايا للجوء إلى الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، والعراق طرف فيها، التي تتيح لأقارب الضحايا أو أي شخص مفوض من قبلهم، وكذلك لأي شخص آخر له مصلحة مشروعة، أن يقدموا الشكاوى الفردية بموجب هذه الاتفاقية من أجل البحث عن الشخص المختفي قسرًا والعثور عليه، الأمر الذي سيجبر الحكومة في العراق الكشف عن مصير الأشخاص المختفين قسرًا وفقًا للاتفاقية، التي فرضت التزامات كثيرة أخرى على الدول الأطراف، وعند توفر معلوماتتتضمن دلائل تقوم على أسس سليمة وتفيد بأن الاختفاء القسري يطبق بشكل عام أو منهجي على أراضي إحدى الدول الأطراف، كما هو الحال في العراق، حينها سيتم عرض المسألة بصفة عاجلة على الجمعية العامة للأمم المتحدة عن طريق الأمين العام للأمم المتحدة.

أنت ترى